صورة روان الضامن

روان الضامن – الجزيرة توك

في صيف عام 1995، كنت وشقيقتي ديما نجري مقابلات مع اللاجئين الفلسطينيين الذي كانوا أطفالا عند التهجير عام ثمانية وأربعين، نشرت لاحقا في كتاب “التهجير في ذاكرة الطفولة” (1997). لن أنسى ما قاله لنا لاجئ تجاوز الستين: أنا عمري 13 سنة (!) وبعد أن رأى الدهشة ترتسم على وجهينا، أضاف: عمري هو تلك السنوات التي عشتها في فلسطين، أما بعد ذلك فالعمر ليس له طعم. اليوم، وبعد 16 عاما تذكرت تلك الكلمات وأنا أشاهد النسخة الأولية لحلقة عن العراق ستبث على قناة الجزيرة قريبا. شاهدت في الحلقة لاجئاً عراقياً في الستين من عمره يقول أنه من يوم أن خرج من العراق وهو لا يعتبر نفسه حياً… اللجوء هو أن تترك الوطن كرها رغم عشقك للوطن، اللجوء أن تعيش الغربة وأن تعلم أن الوطن يسرق منك شبرا شبرا، اللجوء أن تتحدث عن الذكريات فقط لأنها الجزء الحلو من القصة، وأن تتجاهل ما بعدها كله لأنه لم يكن ليخطر على بال. اللجوء أن تهرب من الموت والقتل والتدمير، دون أن تهرب من الألم المستمر والمتزايد، حتى لو كنت تعيش في قصر مشيد…

اعتدت كفلسطينية أن أجيب على سؤال: هل أنت لاجئة؟ وكنت أسارع بالنفي. ذلك أن الصورة النمطية للفلسطينيين أنهم لاجئون مهجرون ونازحون، سكنوا الخيام وعاشوا شظف العيش. أنسي المجتمع العربي والدولي صورة فلسطين كمجتمع مثقف وحضاري، واستبدلوها بصور المخيمات والمعاناة. فكان علي كابنة لفلسطين أن أنقل للعرب والأجانب صورة عن حضارة المدينة الفلسطينية، عن حيفا ويافا، عن نابلس والقدس والخليل، عن جنان الزراعة في بيت دجن وعرابة، عن رقي مجتمع أريد له أن يشرذم، وعن وحدة وطن عربي كبير أريد أن يقسّم، ودفعت فلسطين الثمن.

بالرغم من أن عائلتي لم تعش تجربة اللجوء، ولست في الإحصاءات ضمن أكثر من خمسة ملايين هم عدد اللاجئين الفلسطينيين المعترف بهماليوم، إلا أنني كنت دائماً أشعر أن الفلسطيني لاجئ بالسليقة، فعائلتي الصغيرة المكونة من خمسة أفراد تتوزع على أربع دول مختلفة! يحمل الفلسطيني حقيبته ويسافر، أهله يدفعونه للتعلم والتعليم والعمل في أي مكان على وجه الأرض، لأنهم يعلمون أن الأرض عرضة للمصادرة، والبيت عرضة للهدم ما دمت فلسطينيا، ويدرك الفلسطيني منذ طفولته أنه لا وطن له، سواء استطاع العودة إلى فلسطين أو منع من زيارتها. من يملك القدرة على الإقامة في فلسطين، يدفعه عدم الأمان وانعدام فرص العمل وسراب المستقبل إلى أن يبقى لاجئا يعيش في بلد آمن يعمل به ويستطيع أن يبني جزءاً من مستقبل شخصي. يكتفي المغترب بالزيارة بين الحين والآخر، ويحلم كلما أمكن بالوطن.

مرت سنون طويلة واللجوء مرادف للفلسطينيين. ومع احتلال جديد في المنطقة، هو الاحتلال الأمريكي للعراق، غزا الإعلام مصطلح اللاجئين العراقيين. في البداية، لم أستوعب المصطلح، لا يعقل أن يتحول السندباد العراقي إلى لاجئ. عاش كثير من اللاجئين العراقيين أوضاعا صعبة في سوريا والأردن بشكل خاص، وفتحت لهم أبواب الهجرة إلى السويد وكندا وألمانيا والنرويج… والقائمة تطول، حتى وصل عدد من اضطروا لترك العراق اليوم أكثر من خمسة ملايين. وكما كان الحال في فلسطين، ترافق اللجوء مع ظهور مهجرين في الداخل العراقي: عراقيون هجروا من بيوتهم مع عمليات التطهير العرقي الطائفية، فاضطروا أن يسكنوا مدينة أو قرية أخرى في منطقة أخرى، بينما بيوتهم على مرمى الحجر. وعاش الفلسطينيون العراقييون، وهم الفلسطينييون الذي ولدوا في العراق، لجوءا ثانيا، بل ربما ثالثا، واضطر بعضهم إلى أن يسكن الخيام في القرن العشرين قبل أن تلقي بهم أقدار السياسة إلى منطقة نائية في البرازيل، لأن ذنبهم الوحيد أنهم ولدوا فلسطينيين.

وظل الإعلام يذكرنا باللاجئين السودانيين والصوماليين، الذين أجبرتهم الحروب على مغادرة أراضيهم. وجاء عام ألفين وأحد عشر، ليضيف مصطلح اللاجئين الليبيين واللاجئين السوريين… ومرة أخرى لم أستطع استيعاب المصطلح… لأن الاحتلال لم يأت بطائراته ودبابته، لكن النظام هجم على الشعب. فتحول النظام إلى شكل جديد من الاحتلال! أيعقل أن يقتل جنود يتبعون النظام ويعتبرون أنفسهم ليبيين الشعب الليبي، ويقصفون مصراتة بالدبابات! أيعقل أن يقتل جنود يتبعون النظام ويعتبرون أنفسهم سوريين الشعب السوري، ويرتكبون مجزرة جديدة في حماة!

وهكذا اضطرت آلاف العائلات الليبية أن تخرج إلى تونس أولا، وشكلت ما يعرف بمعسكرات اللجوء على الحدود التونسية. وبدأت المنظمات الأهلية تتحدث عن صندوق إغاثة للمساعدات الغذائية. ثم وصل ليبييون إلى مصر ودول أخرى، فبدأت الدول العربية تفرض قيودا على إعطاء التأشيرة لليبيين، خوفا من أن يتحولوا إلى لاجئين مقيمن في أراضيها! لقد أصبح الليبي الذي كان بلده يستقبل العاملين العرب من الشرق والغرب ضيفا لاجئا.

أما اللاجئون السوريون في تركيا، فبدأوا إضرابا عن الطعام للمطالبة بتحسين أوضاعهم. تركوا ديارهم هربا من دبابات النظام التي تسحق أمامها كل شيء، وعبروا الحدود إلى تركيا ولبنان… إلى أي مكان أمكنهم الوصول. وأصبح السوري لاجئا بعد أن كان مستقبلاً للاجئين الفلسطينيين والعراقيين… هل أنا الوحيدة التي يصعب عليها استيعاب ما يحصل؟ كيف يصبح السوري لاجئا؟ كيف يصل القمع بالنظام وأجهزته حدا يجبر السوري على أن يهرب بروحه لأن البديل هو مقتله في وطنه وبين أهله وفي داخل حيه؟

وأدركت مع بعض الوقت أن الفلسطيني، الذي قبلنا جميعاً أن يكون اسمه مرادفاً للجوء لسنوات طويلة، كان يوماً ما مواطناً على أرضه يستضيف الأبطال من الدول العربية المختلفة ليقاتلوا على أرضه. الفلسطيني استقبل السوري عز الدين القسام ليقاتل على أرض فلسطين والتونسي ميلود ناجح بن نومة، والعراقي عبد الحق العزاوي والمصري أحمد عبد العزيز وغيرهم… كلهم جاؤوا يقاتلون في فلسطين لأنهم عرفوا أنه متى ما تحول الفلسطيني إلى لاجئ، فهذه المقدمة، وسيتبع اللاجئون…

وكما سمعت روايات اللاجئين الفلسطينيين خلال مقابلات في عقد التسعينات، تناهت إلى سمعي اليوم روايات اللاجئين العرب. ففي مقابل رواية الفلسطيني الذي يذكر مستضيفه اللبناني الذي اقتسم معه البيت والطعام، يذكر اللاجئ الليبي اليوم مستضيفه التونسي الذي أسكنه بيته ورفض أن يأخذ الإيجار. يذكر فلسطيني كيف استغله مصري في العمل فلم يعطه أجره في آخر اليوم، ويحمر وجه ليبي خجلاً وهو يذكر سائق التاكسي في تونس الذي طالب بضعف المبلغ لينقل العائلة. كما يشعر لاجئ سوري بالامتنان لأصدقائه القدامى في الأردن، الذين اتصلوا به هاتفيا ليؤكدوا له أن “صدر البيت” له ولأبنائه دون تردد. في حين يستذكر لاجئ عربي آخر المهانة التي تعرض لها في بلد عربي شقيق، ويتمنى لو أنه مات قبل تلك اللحظة. وكما كان الحال مع اللاجئ الفلسطيني، تبقى هذه كلها قصصاً فردية، لكنها تدخل في عمق العواطف لأن اللاجئ يشعر نفسه ضعيفا، يحن للبيت والأصدقاء، ويخشى على مدخرات قليلة لا تكفي لمستقبل مجهول. ويبقى المشترك بين كل حالات اللجوء هذه أن ندرك أننا كلنا قد نتحول إلى لاجئين بين ليلة وضحاها، وأن الظلم عندما يدق باب منزلك، فعليك أن تخرج من النافذة لأن البديل هو أن تقتل على أعتاب البيت، فأيها تختار؟

تابع القراءه على:ـ

http://aljazeeratalk.net/node/8297