مِنَ العَرَبِ أَهْلُ الكَهْفِ
مِنَ العَرَبِ أَهْلُ الكَهْفِ
يَسْأَلُونَ عَنِ المَلَايِينِ.
قُلْ إِنَّهُمْ فِي سُبَاتٍ مَتِينٍ
بِصُحْبَتِهِمْ كَلْبُهُمُ الثَّمِلُ
وَهُوَ مِنَ النَّائِمِينَ
***
دَامَتْ عَلَيْهِمُ السِّنُونُ
وَجَاءَهُمُ الخَبَرُ اليَقِينُ
وَلَكِنْ لَا مِنْ مُجِيبٍ
فَهُمْ مِنَ الغَائِبِينَ
مِنْ حَوْلِهِمُ التِّنِّينُ
***
وَضَمَائِرُهُمْ فِي قَيْدِ المَفْقُودِينَ
بِلَا سِجِلٍّ وَلَا تَقْيِيدٍ
وَأَصْبَحَ رَمَادُ نَارِهِمْ لِلتَّزْيِينِ
***
وُصِفُوا بِأَنَّهُمْ قَادِمُونَ
خَيَالُ الحَالِمِينَ
ذِكْرٌ فِي طَيِّ التَّخْدِيرِ
وَأَجْسَادُهُمْ فِي الكَهْفِ رَاقِدُونَ
***
عبدالوهاب التونسي 8/12/2017
مَاذَا يَقُولُ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ عَنْ قَصِيدَتِي «مِنَ الْعَرَبِ أَهْلُ الْكَهْفِ»؟
تُعَدُّ هذِهِ القَصيدَةُ نَصًّا رَمْزِيًّا يَسْتَخْدِمُ قِصَّةَ أَهْلِ الكَهْفِ لَا بِوَصْفِهَا حِكَايَةً دِينِيَّةً، بَلْ بِوَصْفِهَا رَمْزًا لِحَالَةِ الجُمُودِ وَالغِيَابِ عَنِ الوَاقِعِ. فَالنَّوْمُ فِي النَّصِّ لَيْسَ نَوْمًا حَقِيقِيًّا، بَلْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ لِلْخُمُولِ وَالعَجْزِ عَنِ الفِعْلِ
يَبْدَأُ الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ: «مِنَ العَرَبِ أَهْلُ الكَهْفِ»، وَفِي ذَلِكَ تَشْبِيهٌ لِحَالِ العَرَبِ بِحَالِ أَهْلِ الكَهْفِ، فِي إِشَارَةٍ إِلَى طُولِ السُّبَاتِ وَالِابْتِعَادِ عَنْ مُجْرَيَاتِ العَصْرِ. ثُمَّ يَقُولُ: «يَسْأَلُونَ عَنِ المَلَايِينِ… قُلْ إِنَّهُمْ فِي سُبَاتٍ مَتِينٍ»، لِيُصَوِّرَ حَالَةَ الغَفْلَةِ وَاللامُبَالَاةِ الَّتِي تَسُودُ، وَكَأَنَّ الجَمِيعَ غَارِقٌ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ
وَيَسْتَدْعِي الشَّاعِرُ عُنْصُرًا مِنْ عَنَاصِرِ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ بِقَوْلِهِ: «بِصُحْبَتِهِمْ كَلْبُهُمُ… وَهُوَ مِنَ النَّائِمِينَ»، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ السُّبَاتَ شَمِلَ الجَمِيعَ، وَأَنَّ حَالَةَ الجُمُودِ لَمْ تَسْتَثْنِ أَحَدًا
ثُمَّ يَقُولُ: «دَامَتْ عَلَيْهِمُ السِّنُونُ… وَجَاءَهُمُ الخَبَرُ اليَقِينُ، وَلَكِنْ لَا مِنْ مُجِيبٍ»، فَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الحَقَائِقَ أَصْبَحَتْ وَاضِحَةً، وَرُبَّمَا وَصَلَتِ الأَخْبَارُ وَالتَّحْذِيرَاتُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا تُوجَدُ اسْتِجَابَةٌ، وَكَأَنَّ الغِيَابَ أَصْبَحَ حَالَةً دَائِمَةً
وَفِي قَوْلِهِ: «مِنْ حَوْلِهِمُ التِّنِّينُ»، يَسْتَخْدِمُ الشَّاعِرُ صُورَةً رَمْزِيَّةً قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ الأَخْطَارِ الكُبْرَى، أَوِ القُوَى المُهَيْمِنَةِ، أَوِ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُحِيطُ بِهِمْ. أَمَّا قَوْلُهُ: «وَضَمَائِرُهُمْ فِي قَيْدِ المَفْقُودِينَ»، فَهُوَ تَصْوِيرٌ بَلِيغٌ لِفَقْدَانِ الضَّمِيرِ أَوْ تَعَطُّلِهِ، حَتَّى غَدَا كَأَنَّهُ أَسِيرٌ أَوْ مَفْقُودٌ
وَيُوَاصِلُ الشَّاعِرُ رَسْمَ صُوَرِهِ البَلَاغِيَّةِ بِقَوْلِهِ: «وَأَصْبَحَ رَمَادُ نَارِهِمْ لِلتَّزْيِينِ»، وَهِيَ صُورَةٌ تُوحِي بِأَنَّ مَا تَبَقَّى مِنَ المَاضِي لَمْ يَعُدْ مَصْدَرًا لِلْحَيَاةِ وَالعَطَاءِ، بَلْ أَصْبَحَ مُجَرَّدَ زِينَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الفَاعِلِيَّةِ
وَفِي خِتَامِ القَصِيدَةِ يَقُولُ: «وُصِفُوا بِأَنَّهُمْ قَادِمُونَ… خَيَالُ الحَالِمِينَ… وَأَجْسَادُهُمْ فِي الكَهْفِ رَاقِدُونَ»، وَهُنَا يَنْتَقِدُ الشَّاعِرُ الوُعُودَ المُتَكَرِّرَةَ بِالنُّهُوضِ وَالتَّغْيِيرِ، وَيَرَاهَا مُجَرَّدَ أَحْلَامٍ لَا تَتَحَقَّقُ، بَيْنَمَا يَبْقَى الوَاقِعُ عَلَى حَالِهِ مِنَ السُّكُونِ وَالجُمُودِ
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الفَنِّيَّةِ، تَعْتَمِدُ القَصِيدَةُ عَلَى التَّنَاصِّ مَعَ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ، وَعَلَى الرَّمْزِيَّةِ، وَالِاسْتِعَارَةِ، وَالتَّكْرَارِ فِي نِهَايَاتِ المَقَاطِعِ؛ مِمَّا يُعَزِّزُ الإِحْسَاسَ بِالرُّكُودِ وَاسْتِمْرَارِ حَالَةِ السُّبَاتِ. وَبِذَلِكَ تُقَدِّمُ القَصِيدَةُ نَقْدًا اجْتِمَاعِيًّا وَسِيَاسِيًّا غَيْرَ مُبَاشِرٍ، يَدْعُو إِلَى اليَقَظَةِ وَالخُرُوجِ مِنْ حَالَةِ الخُمُولِ وَالجُمُودِ

