لقد خيّبتم آمالنا، يا من تتولّون المسؤولية السياسية، سواء كنتم حكّامًا عربًا أم قادةً فلسطينيين، وأنتم أصحاب المسؤولية المباشرة، كلٌّ في موقعه، عن مصير قضيةٍ لم تكن يوماً قضية شعبٍ وحده، بل قضية عدالة وكرامة وحرية

بعد المجازر التي ارتُكبت في غزة، وبعد ما كشفته صور الضحايا والدمار من حجم المأساة، سنحت أمامكم فرصة تاريخية نادرة. لقد انكشفت جرائم الاحتلال أمام شعوب العالم، وارتفعت أصوات الاحتجاج في عواصم كثيرة، وتزايدت المطالبات بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وكان بالإمكان استثمار هذا التحوّل في الرأي العام العالمي لبناء جبهة ضغط سياسية وقانونية واقتصادية متماسكة، تُضيّق الخناق على الصهيونية وسياسات الاحتلال، وتدفع نحو وقف الجرائم وإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني

لكن ماذا فعلتُم بهذه الفرصة؟

بدلاً من توحيد الصفوف، عمّقتم الانِقسامات. وبدلاً من الاتفاق على الحدِ الأدنى من الأهداف المشتركة، استمرّ تبادل الاتِهامات وتغليب الحِسابات الفئوية والحزبية. وبدلاً من تحويل الغضب الشعبي العالمي إلى تحرّك منظّم ومُستدام، ظلّت المواقف مُتفرقة، والخطوات محدودة، والفجوة واسعة بين ما يُقال أمام الكاميرات وما يتحقق على أرضِ الواقع

أيُّ منطقٍ هذا الذي يجعل الخلافات البينية تتقدّم على قضية شعبٍ يُقتل أبناؤه، وتُدمّر بيوته، ويُهجّر أبناؤه، ويُترك مُستقبله رهينةً لحسابات السياسة وصراعات النفوذ؟

وأيُّ مسؤوليةٍ هذه التي لا تستطيع أن تجمع أصحاب القضية على برنامج عمل مُشترك، حتى في اللحظات التي تكون فيها الحاجة إلى الوحدة أشدّ من أي وقت مضى؟

إننا لا نطالب بالشعارات، ولا ننتظر بيانات الإدانة التي تتكرر ثم تنتهي آثارها بانتهاء المؤتمرات. إننا نطالب بإرادة سياسية حقيقية، وبخطوات عملية قابلة للقياس والمحاسبة: توحيد الموقف الفلسطيني، وإنهاء الانقسام، وتنسيق الجهود العربية، وتفعيل المسارات القانونية الدولية، وممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية جادة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والعمل على حماية المدنيين وصون حقوق الشعب الفلسطيني، بعيدًا عن المزايدات والحسابات الضيقة

ولا يعني ذلك أن مسؤولية الجرائم تقع على عاتق من عجزوا عن مواجهتها؛ فالمسؤولية عن ارتكابها تقع على مرتكبيها الصهاينة الاشرار. لكن ذلك لا يعفي أصحاب القرار من مسؤولية اتخاذ ما يستطيعون من خطواتٍ لوقفها، ولا يُعفي القيادات الفلسطينية والعربية من واجب مراجعة سياساتها ومصارحة شعوبِها بحقيقة ما تحقق وما أخفق

لقد أثبتت الشعوب، في أنحاء مختلفة من العالم، أن ضمير الإنسانية لم يمت، وأن الرواية التي حاول الاحتلال فرضها لم تعد تمرّ بلا اعتراض. لكن التضامن، مهما اتسع، لا يكفي وحده إذا لم يجد قيادةً تحسن تنظيمه، ورؤيةً تحسن توجيهه، وإرادةً تحوّله إلى أثر سياسي وقانوني ملموس

إن التاريخ لا يُسجّل النوايا والخطب وحدها؛ بل يسجّل أيضاً الفُرص التي أُهدرت، والقرارات التي لم تُتخذ، والمسؤوليات التي جرى التنصّل منها. لقد تعبنا من الانقسام، ومن تكرار الأخطاء، ومن تحويل القضية الفلسطينية إلى ساحة لتصفية الحسابات. وتعبنا من أن تسبقنا الشعوب في مواقفها، بينما تتأخر القيادات عن مستوى التضحيات والآمال المعلّقة عليها.. كَفَانَا انْقِسَاماً! كَفَانَا

إن فلسطين أكبر من الفصائل، وأبقى من الحكومات، وأسمى من المصالح الشخصية والحزبية. ودماء الضحايا ليست مادةً للمزايدات، وآلام الناس ليست تفصيلاً يمكن تأجيلهُ إلى حين توافق أصحاب النفوذ. فإما أن ترتقي القيادات إلى مُستوى المسؤولية التاريخية، وتضع خلافاتها جانباً من أجل برنامج مُشترك واضح، وإما أن تُواجه شعوبِها حقّها في المُساءلة عن خياراتها ونتائج سياساتها

كفى تشتّتًا. كفى شعاراتٍ بلا أثر. كفى إهدارًا للفرص..كَفَانَا انْقِسَاماً! كَفَانَا

فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الوعود؛ بل تحتاج إلى مواقف تُترجم إلى أفعال، وإلى وحدةٍ تحمي قضيتها، وإلى إرادةٍ لا تسمح بأن تضيع تضحيات شعبها سدى

والتاريخ لن ينتظر إلى الأبد حتى تتفقوا

كَفَانَا انْقِسَاماً! كَفَانَا

عبد الوهاب التونسي